أبي منصور الماتريدي

592

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : اجْتَباهُ . قال بعضهم : لرسالته ونبوته ، واجتباه من بين ذلك القوم وجعله إماما يقتدى به . وقوله - عزّ وجلّ - : وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وهو دين الإسلام ، وهو ما ذكر : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً . . . الآية [ الأنعام : 161 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً . قال بعضهم « 1 » : الثناء الحسن ، وقال بعضهم « 2 » : الحسنة في الدنيا ؛ لأن جميع أهل الأديان يتولّونه ويرضونه . ويحتمل أن يكون قوله : وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ، أي : ما آتاه الله - لم يؤته إلا حسنة ؛ على ما ذكر في قوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً [ البقرة : 201 ] - أي : ما آتيتناه في الدنيا ، آتنا كلها حسنة ؛ لأن قوله : حَسَنَةً إنما هي اسم حسنة واحدة أو أن يكون وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً عند قبض روحه ، أي : على الحسنة قبض روحه . وقوله - عزّ وجلّ - : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . أي : لم ينقص ما آتاه في الدنيا عما يؤتيه في الآخرة ، وقال بعضهم في قوله « 3 » : وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً : النبوة والرسالة ، أو أن يقال : إنّه لم يبين الحسنة التي أخبر أنه آتاها إياه ؛ لكنه خصّ به كما هو خص في قوله : اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم « 4 » . قد كان من إبراهيم معنى ؛ حتى خص الله إبراهيم به من بين غيره ؛ فذلك الأوّل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً . أي : دين إبراهيم وسبيله ، وذكر في بعض الأخبار عن نبي الله صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال جبريل - عليه السلام - إلى إبراهيم - صلوات الله على نبينا وعليه - يوم التروية ، فراح به إلى منى فعلمه المناسك كلها ، وأراه أباه ، فأوحى الله إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم : أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ « 5 » ؛ فنحن أمرنا أن نتبع ملّته في الحج وفي غيره .

--> ( 1 ) قاله البغوي ( 3 / 89 ) . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 21987 ) ، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 4 / 253 ) . ( 3 ) قاله البغوي ( 3 / 89 ) . ( 4 ) قاله مقاتل بن حيان بنحوه ، كما في تفسير البغوي ( 3 / 89 ) . ( 5 ) أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في المصنف ، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو بنحوه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 254 ) .